اسماعيل بن محمد القونوي
239
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الحديث القدسي إن من عبادي من يناسبه الغنى فلو أفقرته لفسد حاله وإن من عبادي من يناسبه الفقر فلو أغنيته لفسد حاله هذا نقل بالمعنى تأمل وظهر من هذا إن اللّه تعالى لو ضيق الرزق لفسد حاله لكنه لم يذكر بل أشير إليه بقوله ولكن ينزل الخ ولعل التعبير بالتنزيل لكونه واقعا بتقدير وإثبات في اللوح قوله فيقدر الخ إشارة إلى أن قوله خبير بصير جملة تذييلية مقررة لما قبلها وختم الكلام بهذين الوصفين من بين الأوصاف مناسب لأول الكلام . قوله : ( روي أن أهل الصفة تمنوا الغنى فنزلت ) هم قوم من فقراء الصحابة كانوا على صفة في مسجد المدينة فالآية على هذا مدنية وهو مخالف لما ذكره المصنف من أن السورة مكية بلا استثناء إلا أن يقال إنه خبر فيما سيقع . قوله : ( وقيل في العرب كانوا إذا أخصبوا « 1 » تحاربوا وإذا أجدبوا انتجعوا ) إذا أخصبوا أي إذا وسع رزقهم تحاربوا لفراغهم عن الاشتغال بكسب المعاش وإذا أجدبوا أي إذا قحطوا والجدب القحط انتجعوا بمعنى ارتحلوا للنجعة بضم النون وهي طلب الكلأ في غير أماكنهم لعدم ما تعيش به دوابهم ومواشيهم فإذا تفرقوا لم يتيسر لهم القتال . قوله تعالى : [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 28 ] وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ( 28 ) قوله : ( المطر الذي يغيثهم من الجدب ولذلك خص الغيث بالنافع وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ينزل بالتشديد ) بالمطر النافع فلا يقال غيث لغير النافع قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا [ الشورى : 28 ] يدل على أن الغيث المطر الذي ينزل حين الاحتياج قوله بالتشديد فيدل على كثرة نزول المطر فهو أبلغ . قوله : ( من بعد ما آيسوا منه وقرىء بكسر النون ) وهو الصحيح ووقع في بعضها بفتح النون وهو سهو من القلم لأنه قراءة شاذة وما هو بفتح النون فقراءة متواترة وعادة المصنف التعبير بصيغة قرىء قراءة شاذة . قوله : ( في كل شيء ) العموم منفهم من حذف المفعول مع الاختصار قوله من السهل ضد الجبل والمراد بالرحمة منافع الغيث وبه يظهر الجامع بين قوله ينزل وبين ينشر . قوله : وإذا أجدبوا انتجعوا أي إذا قحطوا انتفعوا أي انتفع بعضهم من بعض من نجع فيه الخطاب والوعظ والدواء أي دخل وأثر والنجعة بالضم في موضعه تقول منه انتجعت وانتجعت فلانا إذا اتيته تطلب معروفه والمنتجع المنزل في طلب الكلأ وهؤلاء قوم ناجعة ومنتجعون . قوله : الذي يغيثهم من الجدب يريد أن أصل معنى الغيث منظور في تسمية المطر بالغيث وهو الإغاثة والذي يستدعي ملاحظة ذلك المعنى كون المقام مقام الامتنان . قوله : وينشر رحمته في كل شيء فعلى هذا هو من عطف العام على الخاص فيكون قوله
--> ( 1 ) أي إذا دخلوا في الخطب والسعة فهمزة الأفعال للدخول وكذا أجدبوا أي إذا دخلوا في الجدب والقحط .